الشنقيطي

129

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

هواء الحرم . واعلم أن ما ادعاه بعض الحنيفة ، من أن أحاديث تحديد حرم المدينة مضطربة لأنه وقع في بعض الروايات باللابتين ، وفي بعضها بالحرتين ، وفي بعضها بالجبلين ، وفي بعضها بالمأزمين ، وفي بعضها بعير وثور ، غير صحيح لظهور الجمع بكل وضوح ؛ لأن اللابتين هما الحرتان المعروفتان ، وهما حجارة سود على جوانب المدينة والجبلان هما المأزمان ، وهما عير وثور والمدينة بين الحرتين ، كما أنها أيضا بين ثور وعير ، كما يشاهده من نظرها ؛ وثور جبيل صغير يميل إلى الحمرة بتدوير خلف أحد من جهة الشمال . فمن ادعى من العلماء أنه ليس في المدينة جبل يسمى ثورا ، فغلط منه ؛ لأنه معروف عند الناس إلى اليوم ، مع أنه ثبت في الحديث الصحيح . واعلم أنه على قراءة الكوفيين فَجَزاءٌ مِثْلُ [ المائدة : 95 ] الآية . بتنوين جزاء ، ورفع مثل فالأمر واضح ، وعلى قراءة الجمهور فَجَزاءٌ مِثْلُ بالإضافة ، فأظهر الأقوال أن الإضافة بيانية ، أي جزاء هو مثل ما قتل من النعم ، فيرجع معناه إلى الأول ، والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ [ 105 ] . قد يتوهم الجاهل من ظاهر هذه الآية الكريمة عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكن نفس الآية فيها الإشارة إلى أن ذلك فيما إذا بلغ جهده فلم يقبل منه المأمور ، وذلك في قوله إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ ، لأن من ترك الأمر بالمعروف لم يهتد ، وممن قال بهذا حذيفة ، وسعيد بن المسيب ، كما نقله عنهما الألوسي في تفسيره ، وابن جرير ، ونقله القرطبي عن سعيد بن المسيب ، وأبي عبيد القاسم بن سلام ، ونقل نحوه ابن جرير « 1 » عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمر وابن مسعود . فمن العلماء من قال : اهْتَدَيْتُمْ إِلَى أي أمرتم فلم يسمع منكم ، ومنهم من قال : يدخل الأمر بالمعروف في المراد بالاهتداء في الآية ، وهو ظاهر جدا ولا ينبغي العدول عنه لمنصف . ومما يدل على أن تارك الأمر بالمعروف غير مهتد ، أن اللّه تعالى أقسم أنه في خسر في قوله تعالى : وَالْعَصْرِ ( 1 ) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ( 2 ) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ( 3 ) [ العصر : 1 - 3 ] فالحق وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وبعد أداء الواجب لا يضر الآمر ضلال من ضل ؛ وقد دلت الآيات كقوله تعالى : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [ الأنفال : 25 ] ، والأحاديث على أن الناس

--> ( 1 ) جامع البيان 7 / 61 ، 62 .